محمد بيومي مهران
119
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وهكذا استحق إبراهيم عليه السلام ، بصفاء فطرته وخلوصها للحق ، أن يكشف اللّه لبصيرته عن الأسرار الكامنة في الكون ، والدلائل الموحية بالهدى في الوجود ، قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، وبمثل هذه الفطرة السليمة ، وهذه البصيرة المفتوحة ، وعلى هذا النحو من الخلوص للحق ، ومن إنكار الباطل في قوة ، نرى إبراهيم حقيقة هذا الملك ، ملك السماوات والأرض ، ونطلعه على الأسرار المكنونة في صميم الكون ، ونكشف له عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود ، ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب ، لينتقل من درجة الإنكار على عبادة الآلهة الزائفة ، إلى درجة اليقين الواعي بالإله الحق « 1 » . وبديهي أن من يكن هذا مقامه ، لا يعقل بحال من الأحوال ، أن يرى الكوكب فيقول : هذا ربي ، عن عقيدة ، فإبراهيم الخليل لأرشد من أن يعتقد ذلك ، قال الزجاج : هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله ، وقد أخبر اللّه تعالى عن إبراهيم أنه قال : « وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ » ، وقال عز وجل : بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي لم يشرك قط ، قال : والجواب عندي أنه قال « هذا ربي » على قولكم ، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ، ونظير هذا قوله تعالى : أَيْنَ شُرَكائِيَ ، وهو جلا وعلا واحد لا شريك له ، والمعنى : أين شركائي على قولكم « 2 » . ومن العجيب ، كما يقول صاحب تفسير المنار ، أن ابن جرير اختار هذا القول ، مع تقريره القول المقابل له على أحسن وجه ، وهو الذي جزم به الجمهور ، من أنه كان مناظرا لقومه « 3 » ، وقد احتج ابن جرير أولا بالرواية ،
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 2 / 1139 . ( 2 ) تفسير القرطبي ص 2461 . ( 3 ) قال أبو جعفر في تفسيره ( 11 / 483 - 484 ) : وأنكر من غير أهل الرواية هذا القول الذي -